القرطبي
108
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بينهم ، ويذهبون إلى حكامهم ، فإن جرى ذلك مجرى التظالم بينهم حكم بحكم الاسلام ، كما لو ترك المسلم وطئ زوجته ضرارا من غير يمين . السادسة عشرة - قوله تعالى : ( تربص أربعة أشهر ) التربص : التأني والتأخر ، مقلوب التصبر ، قال الشاعر : تربص بها ريب المنون لعلها * تطلق يوما أو يموت حليلها وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدم ، فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر ، لقوله تعالى : " واهجروهن في المضاجع ( 1 ) " وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه شهرا تأديبا لهن . وقد قيل : الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها ، وقد روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد : ألا طال هذا الليل وأسود جانبه * وأرقني أن لا حبيب ألاعبه فوالله لولا الله لا شئ غيره * لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربى والحياء يكفني * وإكرام بعلي أن تنال مراكبه فلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها : أين زوجك ؟ فقالت : بعثت به إلى العراق ! فاستدعى نساء فسألهن عن المرأة كم مقدار ما تصبر عن زوجها ؟ فقلن : شهرين ، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر ، وينفد ( 2 ) صبرها في أربعة أشهر ، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر ، فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين ، وهذا والله أعلم يقوى اختصاص مدة الايلاء بأربعة أشهر . السابعة عشرة - قوله تعالى : ( فإن فاءوا ) معناه رجعوا ، ومنه " حتى تفئ إلى أمر الله ( 3 ) " ومنه قيل للظل بعد الزوال : فئ ، لأنه رجع من جانب المشرق إلى جانب المغرب ، يقال : فاء يفئ فيئة وفيوءا . وإنه لسريع الفيئة ، يعنى الرجوع . قال : ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له * ومن حاجة الانسان ما ليس قاضيا
--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 168 . ( 2 ) في ب : وتفقد . ( 3 ) راجع ج 16 ص 319 .